ابن عربي

90

فصوص الحكم

لم يفضل إسماعيل غيره من أعيان الموجودات إلا بأن الله تعالى نص على أنه مرضيٌ عند ربه في قوله : « وكانَ يَأْمُرُ أَهْلَه بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ وكانَ عِنْدَ رَبِّه مَرْضِيًّا » ( س 19 آية 56 ) وإلا فكل موجود مرضي عند ربه كما قدمنا . وكل نفس مطمئنةٌ راضية بربها مرضية عنده . وإذن لا يخاطب الله تعالى في قوله « يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً » نفساً دون نفس ، وإنما يخاطب النفوس جميعاً ، بل الموجودات جميعاً . ألم يأمرها أن ترجع إلى ربها الخاص الظاهر فيها لا إلى الله الذي هو الكل ؟ وأ ليس ربها هذا هو الذي دعاها فلبته وعرفته من الكل ؟ ثم قال لها : « فَادْخُلِي في عِبادِي » أي عبادي الذين عرفوا أربابهم فصاروا راضين بهم مرضيين عندهم بأفعالهم ، ولم يطلبوا إلا ما يفيض عليهم من هؤلاء الأرباب . وقال : « وادْخُلِي جَنَّتِي » . يقول ابن عربي « جنتي التي بها سِتري » فيأخذ كلمة الجنة على أنها مشتقة من « جَنَّ » بمعنى ستر . فجنة الحق في كل متعيّن من الموجودات هي الصورة التي تختفي فيها ذاته وتستتر . ولهذا قال « وليس جنتي سواك ، فأنت تسترني بذاتك » . وقد أمر الله كل نفس مطمئنة - وهي النفس التي تعلم نسبتها إليه ونسبته إليها على وجه الحقيقة - أن تدخل جنته : أي أمرها أن تعود إلى صورتها فتنظر فيها وتتأمل ما فيها من الحق الذي تخفيه وتستره ، فتحقق انها الصورة التي تجلت فيها صفات الحق وأسماؤه . وهذا معنى قولهم : « من عرف نفسه فقد عرف ربه » ، ومعنى الحديث « خلق الله آدم على صورته » . هذه هي الجنة في عرف ابن عربي : هي السعادة العظمى التي يدركها الإنسان عندما ينزل إلى أعماق نفسه ويتأمل صورته فتنكشف له وحدة الحق والخلق . هي إدراك القديم من خلال الحادث ، والخالد من خلال المتغير الفاني . هي إدراك عظمة الوجود وجماله وكماله خلال النظر إلى صورة المرآة . ولكنها جنة العارف لا جنة المؤمن لأن نعيمها عقلي روحي صرف ، راجع إلى معرفة العارف بمدى قربه من